الرياض ترسم معادلة جديدة لأمن البحر الأحمر
أيمن محمد ناصر
لم يكن اجتماع الرياض اليوم مجرد لقاء عسكري دولي، بل إعلانًا عن انتقال المملكة العربية...
إ
دعوتي هذه لقوى الحــــــــــراك والنخب الجنوبية المثقفة إلى تجميد الخلافات مؤقتاً مع الرئيس هادي، لا يعني إطلاقاً التنازل عن مطالب شعب الجنوب في الحرية واستعادة دولته المستقلة ذات السيادة علي أراضيه المعترف بها دوليا .
هذه المطالب المشروعة لشعب الجنوب قد لا تكون موضوع خلاف حولها مع الرئيس هادي، ربما يشاركنا نفس التوجه وربما لا يشاركنا ولا يتفق معنا حول هذه المطالب، لا نعلم ذلك .. الشئ المؤكد أنه بحكم وظيفته ومنصبه كرئيس للجمهورية اليمنية تجعله يتصرف وينتهج سياسة تمليها عليه كرئيس للدولة اليمنية، بغض النظر عن مشاعره الشخصية نحو الجنوب إن وجدت، فهو يعلم أن القوى القبلية والعسكرية والقوى المتنفذة في صنعاء متحالفة ضده برغم الصراع بينها علي السلطة، ولولا الدعم الإقليمي والدولي الذي يحظى به لتم التخلص منه بسهولة. سأتناول هنا باختصار شديد بعض النقاط حول الأسباب التي تدعونا إلى التعامل معه إيجابيا والأسباب التي تجعل القوى النافذة تقف ضده وقد تسعى لإزاحته إذا بإمكانهم عمل ذلك.
أولاً: الأسباب الداعية لدعمه والوقوف معه:
من خلال متابعتي لما يحدث في الجنوب في الداخل وباعتمادي على منطق التحليل وفق المعطيات التي تنشر في وسائل الإعلام سأشير إلى ما أراه .. إنه كجنوبي متفهم للقضية الجنوبية دون المبالغة في إبراز ذلك، حتى لا تستخدم ضده لإثبات ما يدعيه البعض أنه فعلاً متعاطف مع الجنوبيين وأنا أفضل وصفه بأنه متفهم لمشاكل الجنوب ومعاناته أكثر من تعاطفه معهم،
١- أجزم أنه لولا وجوده في الرئاسة لما سمح بتنظيم الاعتصامات وخروج المليونيات ورفع أعلام الجنوب بهذه الكثافة، تذكروا الشاب الصغير في الضالع الذي أردي قتيلاً في عهد النظام السابق لرفعه علم الجنوب .. أحد الإخوة وآخرون أشاروا إلى أن عدد الشهداء الجنوبيين في عهد الرئيس هادي يفوق عددهم ممن قتلوا في فترة الرئيس صالح، إذا افترضنا ذلك صحيحاً، لأنه ليست عندي إحصائيات مقارنة، وقد يكون ذلك حقيقياً أرى أن تفسير ذلك الاختلاف يكمن في الآتي :-
إن إعادة هيكلة الجيش والأمن لم تكتمل وإن الرئيس السابق لا تزال قطاعات واسعة من قيادات الجيش والأمن تدين له بالولاء والقطاعات الأخرى التي تخضع لنفوذ علي محسن فهي مع جماعات علي صالح متفقة في مواقفها ضد الجنوب وتطبيق سياسة اغتيال القيادات العسكرية والأمنية الجنوبية المؤهلة حتى تحرم الجنوب عند استعادة دولته من تلك الكفاءات المؤهلة والمدربة .
النظام السياسي اليمني وفق الدستور ليس بنظام رئاسي، بل هو خليط بين النظامين الرئاسي والبرلماني، مما يعني أن الحكومة لا تخضع للرئاسة، (في عهد صالح لم يكن يحترم هذا التقسيم بين الرئاسة والحكومة وحتى مجلس النواب نفسه تحكم به الرئيس السابق) وحكومة الوفاق الحالية تشكلت بموجب المبادرة الخليجية مناصفة بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك ليس للرئيس دور مباشر في تشكيلها، فلا المؤتمر الشعبي العام ولا حزب الإصلاح المهيمن والمسيطر على أحزاب اللقاء المشترك لديهم أي تعاطف نحو الجنوب، وعليه من مصلحتهم اتباع سياسة مناهضة للجنوب من جهة، والعمل من جهة أخرى إلى إحراج سياسة الرئيس هادي وتصويرها أن شيئ ما لم يتغير نحو الأفضل، إن لم يكن الأسوأ عن الحكومات السابقة في عهد صالح
٢-معيار الوقت أو الزمن - الرئيس هادي وفق قرار مجلس الأمن الأخير نص في الفقرة (٢) البند (٩ه ) بإجراء الانتخابات العامة في الوقت المناسب «على أن تنتهي بعدها ولاية الرئيس هادي الحالية عقب تنصيب الرئيس المنتخب بموجب الدستور الجديد» فإذا القرار أبدى مرونة بعدم تسجيل تاريخ محدد، لكنه من المتصور أن تنتهي مجمل الخطوات من إعداد دستور جديد والاستفتاء عليه والانتقال من الدولة البسيطة إلى الدولة الفيدرالية ثم إجراء انتخابات رئاسية تليها انتخابات برلمانية ...الخ، ذلك سيتطلب ربما حتى نهاية 2015م !! إذاً من المهم جداً للحراك ولشعب الجنوب استغلال الفترة القصيرة المتبقية والرئيس هادي في السلطة، كيف يمكن التعامل معه بحكمة وروية بدلاً من المجهول الذي سيخلفه في الرئاسة ؟؟
وكما أشرت في المقال الأخير في المقاربة بين ٢١مايو١٩٩٤-و ٢٢ مايو ١٩٩٠م إن تاريخ ما سمي بذكرى فك الارتباط مرت عشرون عاماً منذ ذكرى بيان الرئيس البيض دون أن يتحقق شيئ يذكر من إعلان فك الارتباط بفعل عمل القيادات، بينما حقق شعب الجنوب ونخبه المثقفة تقدماً ملموساً لصالح القضية وإن كنت مخطئا في تقييمي، فعلى القيادات تقديم تقرير عن إنجازاتها التي تحققت منذ عشرين عاماً .
من هنا أرى برغم تحفظنا المبدئي إزاء مخرجات الحوار إلا إنه مع ذلك تضمن بعض البنود الإيجابية وبنود أخرى ليس الوقت الآن مناسباً في الإفصاح عنها يمكنها أن تشكل منطلقاً لتحقيق فك الارتباط، ومثلما أشرت في مقال سابق علينا أن ندع الإخوة في اليمن تحمل مسؤولية إفشال مخرجات الحوار أمام الإقليم والمجتمع الدولي بدلًا من إلصاق التهمة علي الجنوب، وفي الخطاب المفتوح الذي وجهته للرئيس هادي ونشرت نصه ذكرت أن الرئيس هادي بحكم منصبه وعلاقته بصانعي القرار على مستوى القمة، إقليمياً ودولياً يستطيع إيصال قضية شعب الجنوب وإسماع صوتهم إلى العالم أكثر من غيره من قادة الجنوب .
٣- ما المطلوب جنوبياً عمله ؟
في المرحلة الحالية دعمه في حربه ضد وجود القاعدة في الجنوب وفي اليمن عامة، لإبعاد الجنوب من الاتهامات التي يراد إلصاقها به بأنه بيئة حاضنة للإرهاب، وتكفي الإشارة كيف سعت بعض القوى الإسلامية المتطرفة، ثني الرئيس عن استخدام الجيش في حربه المفتوحة ضد القاعدة، ناهيك عن موقف بعض القيادات العسكرية مثل الجنرال علي محسن الذي هاجم حرب الجيش ضد القاعدة، وانظروا لقدراتهم في التلون حين دفع هيئة سياسية تابعة له وفق ما نشرته عدن الغد بتاريخ ١٤مايو أكد فيها دعمه جهود الجيش في حربه ضد القاعدة ؟؟ فعلى الحـراك والنخب دعم الجهود الرامية إلى اقتلاع إن لم يكن الحد من تواجد القاعدة في الجنوب،
القول أن الجنوب قد يشارك في الاستفتاء على الدستور الجديد بشروط محددة سأوضحها في مقال منفصل، شريطة معرفة نصوص الدستور، هل ينص على ما جاء في مخرجات الحوار، خاصة ما يتعلق بالمقترحات الواردة في تقرير الفريق المعني بالحكم الرشيد الذي أشار إليه قرار مجلس الأمن الأخير والذي كما ذكرت سابقا، لن تقبل بتنفيذه القوى التقليدية والنخب السياسية في اليمن .. علينا نحن القول إننا مع هذه الشروط ونجعلهم هم يرفضونها وحتما سيرفضونها، والشرط الأساسي والأهم وفق ترتيب مخرجات الحوار قبل الاستفتاء على الدستور، تنفيذ النقاط العشرين والـ11 الخاصة بالجنوب والتي أعيد التأكيد عليها ضمن ضمانات مخرجات الحوار الوطني وسيعد الالتزام بذلك أولاً، وإعادة الممتلكات الجنوبية التي نهبت ...الخ، ذلك بمثابة اختبار لمصداقية نصوص مخرجات الحوار الذي سيحدد المشاركة من عدمها في الخطوات التي تليها .
التصدي للحملات الإعلامية الموجهة ضد الرئيس هادي من قبل بعض المصادر الإعلامية والصحفية .. هذه الحملات غير المسبوقة ضد الرئيس هادي تعتبر مؤشراً بعدم رضا القوى المتنفذة عنه وكما قال سابقا الزعيم الصيني ما وتسي تونج والزعيم الخالد جمال عبد الناصر أنه عليهما أن يقلقا إذا امتدحتهما الصحف الغربية والأمريكية خاصة، لا بد أنهما ارتكبا خطأ ما أدى إلى مدحهما في حين الهجوم عليهما يعني أنهما يسيران في الخط الصحيح .
ثانياً: أسباب الوقوف ضد هادي كرئيس قائم أو كرئيس قادم لمجرد كونه سنياً
لم أكن أريد الإشارة لهذا الجانب، ولكن للأسف هذا هو واقع الحال برغم صمت نصوص دساتير الجمهورية العربية اليمنية ودساتير دولة الوحدة يمكن القول أن الرئيس هادي أول رئيس يحكم اليمن لسنتين وهو لا ينتمي إلى مذهب الزيدية .. فالدكتور عبد الرحمن البيضانــي لم يمكث في منصبه كنائب للرئيس عبدالله السلال بعد الثورة إلا لمدة شهرين فقط، وحين ترشح للرئاسة في عام 2006م لم يقبل للترشح لأسباب تافهة على أساس أنه متزوج مصرية ووالدته غير يمنية، وأغلب الظن قبول مرشح اللقاء المشترك المرحوم فيصل بن شملان كان على أساس الدعم الكبير له من أحزاب اللقاء المشترك ولأنه كما راج حينها قيل أنه سيختار نائب الرئيس حميد الأحمر وهو زيدي، والواقعة الثانية تتعلق بعلي سالم البيض كنائب للرئيس صالح قيل أنه دخل في مشادة صدامية مع المرحوم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر الذي قال للبيض بما معناه هو أنت صدقت كنائب للرئيس أننا سنسمح لك أن تحكم اليمن وأنت غير زيدي، وفوق ذلك هاشمي ونحن بالثورة أنهينا النظام الهاشمي للإمامة ستعود الهاشمية تحكمنا من جديد، هذا لا يمكن قبوله .. من هنا وضع الرئيس هادي استثنائياً بفضل الدعم الإقليمي والدولي له ولا يعرف هل بعد الربيع العربي ستتغير فعلا المفاهيم الضيقة أم ستظل كما كانت في الفترات السابقة؟! .
الخلاصة:
أرى من الأهمية بمكان وقوف الحــــــــــراك والنخب الجنوبية مع الرئيس هادي في هذه المرحلة الدقيقة في مواجهة القاعدة ومن يدعمها من القوي النافذة وإبداء قدرا من المرونة في كيفية التعامل مع مخرجات الحوار دون الاكتفاء بالمعارضة المبدئية لمخرجاته، التي علينا ترك إفشالها من قبل النخب اليمنية القبلية والعسكرية، والعمل على دعم استعادة الجنوب لممتلكاته كشرط أساسي في احتمال قبول التعامل مع بقية المخرجات ضمن شروط وضوابط معينة كما أن أحد أوجه دعم الرئيس هادي كما أراه يتمثل بعدم ترك تبوؤ المراكز القيادية في السلطة وفي الخارج حكراً على الكفاءات غير الجنوبية، تخوفا من اتهامهم بالعمالة وبيع القضية بسعر بخس ومقابل تعيينات في مناصب قيادية .. فبدلا من قصر النخب الجنوبية نشاطهم في الساحات وبالفيس بوك، عليهم أيضاً فرض وجودهم في المناصب القيادية وخلق شبكة علاقات لصالح قضيتهم .
وأختتم الموضوع بالقول .. علينا ممارسة السياسة بمرونة التي تخدم القضية الجنوبية بواقعية وفعالية أكبر، بعيداً عن الشعارات الرنانة والخطابات البائسة، التي لن تحقق للجنوب تطلعاته في الحرية وفك الارتباط لا يهم القول أن بعض القادة يتميزون عن قادة آخرين بأنهم ظلوا متمسكين بمطلب شعبهم بفك الارتباط ما فائدة هذا الموقف الذي لمدة عشرين عاما منذ ٢١مايو لم يفض إلى شئ عملي وملموس، لهذا يجب إعادة النظر في ذلك والمؤشرات توحي بأن الرئيس هادي قد .. وأقول قد يستطيع أن يحقق نتائج أفضل عن غيره وهو قادر على ذلك، وشعب الجنوب ونخبه باستطاعتهما ممارسة السياسة بذكاء ومرونة لتحقيق مطلبهما بفك الارتباط الذي فشلت فيه قياداته التقليدية .