شوارع وأرصفة الشيخ عثمان بعدن وطنٌ يقصده الفقراء

الطريق/نسيم الواصلي

في ظاهرة مؤلمة وينفطر لها القلب، وفي بلد غابت فيها الإنسانية، وتحول الناس إلى وحوش ضاربة وحتى البلدية اعتادت على الابتزاز والمضايقات اللا إنسانية والمزاجية، لا نذهب بعيداً عن حدود عدن وما حل بها من اتساع رقعة الباعة الفقراء وعلى قارعة الطريق وهم  ينتظرون لجلب الأرزاق دون أي فائدة، أصبحت معاناتهم تتوسع يوماً تلو الآخر، ربما يرى الكثير بأن هذه الظاهرة سوف تنتهي يوماً ما ولكن ما زالت تلوج في الحسبان وتناست في محط الأذهان، هنا وبالتحديد وفي شوارع مديرية الشيخ عثمان بعدن وأنت تسير على الطريق تلاحظ ثمة أناس تركوا أولادهم وخرجوا للبحث عن الحياة الكريمة منهم من ترى الشيب في رأسه ومنهم  بلغ العجز بتلك القسوة  التي أظهرت على ملامح وجهه، ففي الحقيقة يعملون بكل جهد  ووسط اشتعال الفحم والحطب وتحت  أشعة الشمس الحارقة، ففراشهم الأرض ولحافهم السماء فكل من مر عليهم لا تؤثر فيه تلك الفئة التي كتب عليها الفقر، ومع ضجيج السيارات وخطوات المارة تجدهم مرتاحين البال مطمئني النفس، فهم لا يريدون فلل مزخرفة ولا كراسي فضية وذهبية ولا سيارات متنوعة ولا حراس تصول وتجول في الأركان، فحياتهم مقصورة على أمر فقط وهو توفير لقمة العيش ولتعش أسرهم معززة مكرمة وخالية من الارتباك والانشغال بتلك الدنيا الواهية، ورغم تلك المعاناة فهم يحمدون الله على الحظ القليل وصابرون على ما حل بهم .
صحيفة "الطريق" انطلاقاً من إيمانها المطلق برسالتها الإعلامية وبكل مصداقية، كانت حاضرة لنقل تلك المعاناة التي لحقت بالفئة البسيطة ممن لا يجدون  سد رمقهم، وتفاصيل ذلك في التقرير التالي:


تقرير/ نسيم الواصلي

من المسؤول 


في بداية الأمر  وربما تقف في المخيلات عدد من الأسئلة التي لم تجد لها أي أجوبة، فتقول وأنت تلاحظ الموقف وبمجرد انتظارك لعدد من الدقائق  تقول في نفسك من المسؤول عن  هؤلاء الناس ؟! لا تجد أي أجوبة مناسبة لها سواء التغاضي من قبل الرعية الذين تحملوا المسؤولية إلا أنهم غير جديرون بها، فتلاحظ علامات البؤس والجوع تتدفق مثل تدفق السيل العارم، ولكن دون أي شعور أو إحساس، وكأنها أمور عادية وسوف تصبح في قادم الأيام  منتهية وها هي تتوسع يوما بعد يوم  والمسؤول  في سبات! .

كأنك لم ترى شيئاً


ما أحوجنا في هذا البلد أن نرى أناساً منهمكين ومنتظرين لكي تستعاد الكرامة وتنظر الناس بعين واحدة  لا بتشعبها، ففي بلد أرض الحكمة والإيمان  لا تجد سوى انقلاب الموازين وتغير الأسلوب لدى الكثير .. فالمسؤول منشغل  والصغير والكبير أيضا منشغل، فحين ترى تلك الانشغالات من  الأثرياء، اعتبر نفسك كأنك لم تر شيئاً حل بتلك الفئة التي  كتب عليها الفقر وحاولت  وبكل قوة أن تجتازه ولكن دون  أن تستطع، وبالصبر سوف تجتازه رغم تراكم الصعاب  وترك  وراء ظهورهم أسر تنتظر لعودتهم ليفرحوا بما أتى به آباؤهم من  أموال ليعيشوا حياة كريمة  غير منشغلة بالأمور الواهية، فالناظر لهم يشعر بتحسر وقهر على ما يلاقوه من مشقة وتعب ووقوف  على قارعة الطريق وتحت أشعة الشمس المحرقة.

قارعة الطريق وطن يقصده الفقراء

في وطن أصبح المرء غريباً فيه وتحولت الطريق إلى وطن آخر دائما يقصده المواطن الفقير، وهذا ملموس ودائما نشاهده بأم أعيننا  ولا نر أي تحركات من تغير هذه المشاهد المزعجة، ففي حقيقة الأمر هم سقطوا في وحل اللا مبالاة، فباتوا معدمين وفقراء يبتسمون في وجه الجحيم المفروض كلما اشتدت الجرع الحكومية، فنرى على الهامش  أن هناك ثمة أناس سلطت عليهم الفروض المعيشية  واستوطنوا قارعة الطريق بأن تكون وطنهم الآخر الذي استوعب العديد من الباعة والبساطين، فحين تتجول في شوارع مدينة عدن وبالأخص الشيخ عثمان، تقف حائراً وبنظرات متعددة .. أين الدور الحكومي؟ وهل ستقف الدولة مكتوفة اليدين أم أن هذا النسيان بعين ذاته؟ وهذا يرجع إلى أسباب حقيقية  والذي يعكس صورتين أساسيتين الأولى فشل الدولة والثاني تحسين مستوى الشعب .

البلدية وحوش مفترسة

 

 لم تسلم تلك الفئة حتى من مضايقات البلدية المستمرة والمزاجية فهم إما يطالبونهم بالمال كرشوة لبقاء جلوسهم في قارعة الطريق أو يقومون بأخذ عرباتهم التي يبتغون الرزق بها .. فالكثير من تلك العربات تكون مستأجرة فلقد أصبحت البلدية وحوش تفترس الضعفاء والمساكين دون أي رحمة أو وازع ديني ظاهر في تلك الفئة التي تقوم بابتزاز المواطن المسكين.

باحثين عن الحياة الكريمة


من معاناتهم في الأرض بين شد الحياة وجذب المرض لهم فهم يعيشون في شقاء دائم باحثين عن الحياة الكريمة ويجوبون طرقات تلك المدينة وأزقتها لكي تتوفر لهم بعض النقود لسد رمقهم، وللوقوف على هذه المعاناة التقينا بالمواطن مرشد الصغير والذي يبلغ من العمر"50" عاماً ولديه عدد من الأولاد  قاطنين بمدينة المعافر بمحافظة تعز فهو كغيره من العاملين وممن ترك وراء ظهره تلك الأسرة تنتظره ليعود لهم بما هو حاصل بين يديه فيسرد لنا معاناته قائلاً: "العمل هنا شاق للغاية فعلى مدار اليوم وأنا أعاصر الحياة وعلى قارعة الطريق انتظر ليأتي الزبون ليشتري مني  وأكثر ما يباع بين المتجولين ومن قصدوا قارعة الطريق إما أن تجد بعضهم يبيع الذرة والبعض الآخر يمتهن بيع أشياء أخرى  فأصبحت حياتنا على كف عفريت بما يحصل لنا من مشقة متواصلة وتحت أشعة الشمس وحرارة الفحم والحطب إلا إننا صابرون بما هو حاصل لنا، وهذا أعتبره أمل ومن رحم ومشقة الألم، وعلى ما يبدوا أن الأمل بالفعل يولد من رحم تلك المعاناة، ولكن هناك مضايقات من قبل البلدية في مدينة عدن وبالأخص بمديرية الشيخ عثمان  رغم إننا ننتظر طوال اليوم ولم نتحصل على أي محصول أكثر من "500" ريال  وواقفين على قارعة الطريق نبتغي الرزق ولتكن حياتنا كريمة ومعززة وهو أصعب العمل الذي نواجهه عندما نقف من الساعة 6 صباحا حتى الساعة 12 ظهرا وبعدها نستظل للراحة إلى أن نؤدي الصلاة ومن ثم نعاود الكرة من 3 عصراً حتى الساعة 10 مساء، فأكثر ما يزعجنا  هو المضايقة المتكررة من قبل البلدية فنرجو  الرحمة منهم والمؤسسات الحكومية ليعلموا بأننا لسنا هنا للتسلية ولكن لجلب الرزق الحلال ولتنعم أسرنا بالحياة الكريمة" .

الظروف من تجعلنا نغترب


فعندما تحل قسوة  العيش تتغلب على من اندمجت فيه فالبعض منهم ترك الأهل والأسرة، مغتربا في إحدى المحافظات لعدد من الأشهر والسنوات  ليسعى في توفير ملتزمات البيت ولتكن حياته سعيدة ولتزهو بمزاهي فريدة، ففي ذلك كان لنا لقاء مع المواطن علي مهيوب المشولي والبالغ من العمر 60 عاماً حيث  أتى مهاجرا ومغتربا في مدينة عدن وهو أحد أبناء منطقة المشاولة بمحافظة تعز قائلا: "معاناتنا عديدة ومتنوعة لا يستطيع أي إنسان أن يتحملها لما نواجهه من الشقاء المتزايد دون أن نجلب أي فائدة تاركين أسرنا تنتظرنا ليفرحوا بعودتنا ولكن ما زال التعب يلاحقنا مهما اغتربنا، فأنا كأحد الباعة والمتجولين في تلك المدينة التي بسطت لنا ذراعيها ولتكن لنا موطنا آخراً، فإنني  أمر بظروف أسرية صعبة جداً فهجرت المنطقة واتجهت إلى هنا ولم أجد أي عمل سوى أن أعمل لي مكان متواضع وعلى قارعة الطريق فأضع الفحم وأشعل النار فيه من أجل نضوج حبة الذرة لكي أبيعها على المارة مقابل مبلغ لا يتجاوز الثلاثون ريالاً أو الخمسون فقط ومرت الشهور والأيام وأنا مغترب في وطني فأصبحت في الحقيقة بين ناريين نار الحياة اليومية ومتطلباتها المتعاظمة يومياً ونار الرجوع إلى قريتي وبين أفراد أسرتي  لكي  أعود لهم  بما عملت به من بيع حبة الذرة ولديّ  عدد من الأولاد منهم 3 ذكور و8 إناث  فوضعنا  أصبح على كف عفريت وإننا نخجل عندما يأتي العيد وتتزايد الاتصالات  بشأن أمرنا  ولكن في حينها نبقى صامتين على ما نلاحظه من تلك الوضعية  فهناك يحزنني جداً العودة إلى أفراد أسرتي ويدي فارغة .. هنا تواجهني الإحراجات من قبل أولادي ولكن هم في الأصح يعلمون بما لحق بنا من شظف العيش والقسوة المتفشية  بين المسؤول وأفراد  المجتمع الذي تحمل المسؤولية ولم يعمل بها تاركين أمرنا لله قبل كل إنسان فهو الخالق وهو الرازق .. فأتمنى العافية لكل مغترب في وطنه تاركاً أسرة تنتظره ليفرحوا ويمرحوا بحياة مملوءة بالكسب الحلال" .

المواطن أشبه بسلعة رخيص الثمن


يؤلمني جداً عندما يصبح المواطن أشبه بسلعة رخيصة الثمن .. فالحياة التي تعايش عليها هؤلاء الفقراء صعبة جدا، فأصحاب المسؤولية يسأل دائما عما هو مسؤول عليه، ويطرق في ذهنه عبارة كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فلو توجه الناس إلى تلك العبارة لما أصبح الناس بتلك الشرارة والصعاب وعلى مرمى الطرقات وفراشة الأرض ولحافة السماء لا غير، فعندما تتحدث عن الفقراء وتقول كل فقير وصل به فقره إلى حافة الموت فتجد أن من سبب له  هذه المجاعة  هم ثلاثة لا غيرهم  المسؤول والمواطن وأصحاب الأمر، فالمسؤولية محملة بيد المسؤول الذي  عقلت عليه المسؤولية ولكن للأسف مازالوا  يتهافتون على المناصب والانشغالات الشخصية وتناسوا الفقير الذي عجز عن توفير ولو الشيئ اليسير من الحياة الكريمة.

من ينظر لحالهم

لا أحد ينظر لحالهم  لا من قبل مسؤول ولا عابر سبيل، فأجسادهم تصارع حر الصيف وبرد الشتاء، ودائما يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، فكهذا أصبحت حالة الفقراء وفي وطنهم غرباء، فهم شاكوون لخالقهم سوء الحال وعدم التفات المسؤولين وتلمس معاناتهم، والدليل على ذلك هو عدم الاهتمام بمصالح الشعب والمواطن الفقير والمضي في البحث عن مصالحهم، الكل صار يصرخ ويستغيث، فهم يرون بأن هناك نعم أصبحت نقما علينا، متسائلين متى تستجب الدولة لمطالب الشعب وتفعيل الجانب الخدمي؟! .